محمد فاروق النبهان

77

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

ولهذا فالتفسير يتطلب من المفسر نقاء في القلب لكي يدرك حقيقة المراد من معاني الألفاظ ، فالألفاظ أدوات للتعبير والإنسان هو المخاطب ، ولكي يدرك الإنسان فحوى الخطاب ، فلا بد من أن تكون أداة الفهم نقية صافية لم تشوهها توجهات سابقة وتنحرف بها ، ولم تحجبها حجب عن إدراك المعاني المقصودة . وتظل كلمة التأويل خاضعة للتفسير والبيان ، لتحديد ما المراد بالتأويل ، فبعض العلماء ذهب إلى أن التفسير مختص بالرواية والتأويل مختص بالدراية . ولا أظن أن هذا الأمر يخضع لهذا المعيار ، إذ لا يمكننا اعتبار التفسير قاصرا على الرواية وخاليا من الدراية ، فهذا معنى يحمل بعض الانتقاص من مكانة العلماء الذين عرفوا بالتفسير ، ولعل المعنى الأقرب في هذا المجال أن التفسير جهد خاضع لمعايير بيانية ، ولا بد في التفسير من رواية ودراية ، وإذا خلا التفسير من الدراية ، فقد خلا من قيمته البيانية والتوضيحية ، وإذا كانت الرواية كافية في مجال التفسير بالمأثور ، فإن التفسير بالرأي لا بد فيه من دراية واسعة ، ولا يحسن هذا النوع من التفسير إلا من أوتي سعة من علم ومعرفة . وتختلف معاني التأويل بحسب موقع اللفظة في الجملة ، فأحيانا تفيد معنى التفسير ، وتكون مرادفة لها ، وأحيانا تفيد معنى مغايرا للتفسير ، بحيث يكون التأويل فيما يخرج عن نطاق مهمة التفسير ، بسبب غموض المعاني وعدم وضوحها ، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا التي لا تخضع للمقاييس العقلية ، ولا تقدم الألفاظ في معانيها اللغوية ما يفيد في كشف الخفاء عن المراد ، ويكون التأويل هنا هو بذل جهد متميز في استكشاف المراد ، ويحتاج هذا الجهد إلى كفاءة علمية وقدرة ذاتية ، وموهبة متميزة وحكمة مكتسبة . ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في حكم التأويل واتجاهاته ، وبخاصة إذا لم يلتزم المتصدي للتأويل بالضوابط اللغوية والشرعية ، وعندئذ يكون التأويل مطية للانحراف والزلل ، ولذلك يجب وضع ضوابط دقيقة ، لكي يكون التأويل سليم الاتجاه مقبول المعاني ، وأهم هذه الضوابط أن يكون منسجما مع قواعد الإسلام ومبادئ العقيدة .